حقق أحلامك مع منتديات شمس جروب



 
العودة إلى الموقع الأساسيالرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

.: أنت الزائر رقم :.

اسم العضو:  كلمة السر:  الدخول بشكل تلقائي فيما بعد:   
التسجيل نسيت كلمة السر

يمكنك التسجيل بالإيميل فقط ليصلك كل جديد من منتديات Shamms Group

To E-mail US Click Here

المواضيع الأخيرة
» Free iPhone 4 | Get yours today!
15/1/2012, 3:30 am من طرف Shamms

» عم أيوب في ثوبه الجديد
12/5/2010, 1:31 am من طرف Shamms

» إنشاء نقطة ماء
9/5/2010, 3:26 am من طرف Shamms

» إزالة تجاعيد الوجه
9/5/2010, 3:24 am من طرف Shamms

» عمل مكياج ناري بالفوتوشوب
9/5/2010, 3:20 am من طرف Shamms

» تغيير لون العين بالفوتوشوب
9/5/2010, 3:17 am من طرف Shamms

» تبييض الأسنان بواسطة الفوتوشوب
9/5/2010, 3:14 am من طرف Shamms

» أهم البرامج التي تحتاج لها للتعديل على الويندوز
9/5/2010, 3:08 am من طرف Shamms

» مجموعة تواقيع جديدة أرجو أن تنال إعجابكم
17/3/2010, 3:37 am من طرف Shamms

» تنبيه لكل الأعضاء الحاليين والجدد
7/3/2010, 1:30 pm من طرف Shamms

» ..قوانين وشروط المنتدى..
6/3/2010, 2:45 pm من طرف Shamms

» مكتبة صور جديدة جداً جداً جداً
6/3/2010, 11:33 am من طرف Shamms

» أكبر مكتبة صور للقطط
6/3/2010, 1:56 am من طرف Shamms

» عندما ننتظر القطار - فاروق جويدة
5/3/2010, 3:40 pm من طرف freedom bird

» من كلمات نعمات البحيرى
5/3/2010, 3:06 pm من طرف freedom bird

» من أشعار بيرم التونسى
5/3/2010, 1:38 am من طرف Shamms

» أكبر مكتبة صور على الإطلاق
5/3/2010, 1:32 am من طرف Shamms

» مسجات للموبايل رائعة جداً جداً جداً
4/3/2010, 11:02 am من طرف Shamms

» بعض الأفكار الياباينية الطريفة
4/3/2010, 9:38 am من طرف Shamms

» الجنوبى - امل دنقل
3/3/2010, 11:28 pm من طرف freedom bird

» زهور - أمل دنقل
3/3/2010, 4:26 pm من طرف freedom bird

» ضد من - أمل دنقل
3/3/2010, 4:22 pm من طرف freedom bird

» نكت جاااااااااااااااااااامدة ع الآخر
3/3/2010, 3:46 pm من طرف Shamms

» خمس أغنيات الى حبيبتى-أمل دنقل
3/3/2010, 3:41 pm من طرف freedom bird

» من أشعار أمل دنقل
3/3/2010, 3:39 pm من طرف freedom bird

» حماده هلال ..ساعات .. من فلم حلم العمر
3/3/2010, 3:01 pm من طرف Shamms

» محاكمة عسكرية لصاحب مدونة "مصري مطحون"
3/3/2010, 11:24 am من طرف Shamms

» افحص جهازك
3/3/2010, 2:38 am من طرف Shamms Group

» البوم وائل جسار - في حضرة المحبوب - 2010
1/3/2010, 5:59 pm من طرف Shamms Group

» فيلم دكتور سيلكون
1/3/2010, 5:51 pm من طرف Shamms Group

» حد سامع حاجة؟ :: بجودة H.Q Cam وعلى اكثر من سيرفر
1/3/2010, 4:20 pm من طرف Shamms Group

» برنامج Super MP3 Download Pro 3.3.2.2
22/2/2010, 11:20 am من طرف Shamms Group

» أحذر يامن تربي الكلاب للتسلية فهي من كبائر الذنوب وينقص عملك كل يوم قيراطين من الحسنات
22/2/2010, 10:39 am من طرف Shamms Group

» سبع حقائق علمية تشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم
22/2/2010, 10:16 am من طرف Shamms Group

» Picture Collage Maker Pro FULL CRACK
21/2/2010, 12:55 pm من طرف Shamms Group

» برنامج 3D MAX 2010 full + Crack برنامج التصميم الخارق فى اجدد نسخه كامله
21/2/2010, 12:16 pm من طرف Shamms Group

» يا جماعة المنتدى ده لسه جديد يعني عايزين مشاركاتكم تشغله شوية
21/2/2010, 12:03 pm من طرف Shamms Group

» Windows Vista يعمل على رام 256 و CD وحجمها 340 ميجا أظنه حجم خرافي لويندوز فيستا
21/2/2010, 10:53 am من طرف Shamms Group

» استعراض التورته لنيللى
7/2/2010, 1:00 am من طرف freedom bird

» أغنية عصفورة العصافير
7/2/2010, 12:55 am من طرف freedom bird

» اغنية كان فيه فراشه لنيللى
7/2/2010, 12:50 am من طرف freedom bird

» لكل محبى رباعيات صلاح جاهين
4/1/2010, 7:39 pm من طرف Shamms Group

» وعجبى!!!
28/12/2009, 6:52 pm من طرف freedom bird

» مواقف مضحكة
22/12/2009, 5:42 pm من طرف Shamms Group

» عربيات سباق تحفة
17/12/2009, 12:48 pm من طرف Shamms Group

» تحذيرات من مخاطر اجهزة MP3 وIPod على السمع
16/12/2009, 1:48 am من طرف Shamms Group

» عرض عسكري قمة الروعة والتنظيم
13/12/2009, 11:52 pm من طرف أمير مملكة الظل

» النمور السوداء الإسكندرية
13/12/2009, 11:46 pm من طرف أمير مملكة الظل

» الى رحمة الله يا دكتور مصطفى
13/12/2009, 7:49 pm من طرف أمير مملكة الظل

» منازل طينية لمن دمرت بيوتهم في غزة
13/12/2009, 7:36 pm من طرف أمير مملكة الظل

» مجاهد مصري يهاجم دورية صهيونية
13/12/2009, 5:49 pm من طرف Shamms Group

» Egyptian Military - الجيش المصرى
13/12/2009, 5:48 pm من طرف Shamms Group

» مقتل عسكري سعودي بهجوم قرب الحدود اليمنية
13/12/2009, 5:47 pm من طرف Shamms Group

» انقاذ عسكري من سيول جده
13/12/2009, 5:46 pm من طرف Shamms Group

» حرب 1973 في مصر بعيون الملحق العسكري السوفيتي هناك
13/12/2009, 5:42 pm من طرف Shamms Group

» تدريب عسكري لألوية الناصر صلاح الدين
13/12/2009, 5:41 pm من طرف Shamms Group

» من بطولات المخابرات المصرية
13/12/2009, 5:32 pm من طرف Shamms Group

» في تلميح واضح لحزب الله , مبارك: احذروا غضب مصر وشعبها
13/12/2009, 5:31 pm من طرف Shamms Group

» المخابرات المصرية تحبط خطط حزب الله التخريبية في مصر
13/12/2009, 5:29 pm من طرف Shamms Group

» هل تريد مشاهدة بيتك من NASA World Wind 1.4 RC2
13/12/2009, 2:05 pm من طرف Shamms Group

» برنامج لتصميم الفلاش Alligator Flash Designer 8.0.5
13/12/2009, 1:27 pm من طرف Shamms Group

» احترف صيانة الكمبيوتر والماذربورد
13/12/2009, 12:35 pm من طرف Shamms Group

» Official Disney Pixar The World of Cars Online Game Trailer
13/12/2009, 12:32 pm من طرف Shamms Group

» سيارة أودي 2008 للقيادة السريعة
13/12/2009, 12:29 pm من طرف Shamms Group

» متانة سيارة الرولز رويس الغير قابلة للانتهاء !! (فيديو خطير)
13/12/2009, 12:26 pm من طرف Shamms Group

» جمباز
13/12/2009, 12:20 pm من طرف Shamms Group

» نصائح للأعضاء الجدد
13/12/2009, 9:31 am من طرف Shamms Group

» الإسطوانة القرآنية الشاملة بصوت 5 مشايخ تحميل برابط مباشر
13/12/2009, 2:41 am من طرف Shamms Group

» مكتبة صور جديدة أرجو أن تعجبكم
12/12/2009, 1:15 pm من طرف Shamms Group

» عبارات تساعدك على التصميم
12/12/2009, 1:01 pm من طرف Shamms Group

» نصائح للأعضاء الجدد
12/12/2009, 12:56 pm من طرف Shamms Group

» حصريا بأنفراد فيلم (Narnia.Prince.Caspian) مترجم بجودة rmvb Q أكشن جاامد أسطورى
12/12/2009, 12:24 pm من طرف Admin

» Microsoft A+ for compter maintenance
11/12/2009, 7:44 pm من طرف Admin

» Windows XP Dark Edition v6- 2008
11/12/2009, 6:06 pm من طرف Admin

» Microsoft windows vista xp pro sp3 aio Bootable Cd v 4.5
11/12/2009, 5:43 pm من طرف Admin

» حصريا مع اجمل النسخ المعدلة على الاطلاق Windows 7 Eternity عالم من الابداع والجمال
11/12/2009, 5:15 pm من طرف Admin

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
Shamms Group
 
Shamms
 
freedom bird
 
Admin
 
أمير مملكة الظل
 

شاطر | 
 

 من كلمات نعمات البحيرى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
freedom bird
مساعد(ة) المدير
مساعد(ة) المدير


عدد المساهمات : 15
نقاط : 7726
العمر : 33

مُساهمةموضوع: من كلمات نعمات البحيرى   5/3/2010, 3:06 pm

مرثية صدر
هكذا هو دائما الصباح حين أفتح عينى لأنهض أبدو لنفسى وكأنى أنهض من فتحة فى أخر قبر، أظل أخربش التراب والأكفان وجيرانى من الجثث وأخرج للنهار..أنظر من نافذتى المطلة على حديقة جميلة للحياة وأحمد الله وأنا أبتهج بأننى مازلت فعلا على قيد الحياة. وتؤجل بهجتى هذه أية رغبة فى الاستسلام، فى جلسة الكيماوى دخل جسمى معركته الضارية مع آثار المحلول المزود بكم هائل من السموم لطرد المرض . حقق انتصارا بعد انهاك و وتقيحات فى الحلق والشفاه ورغبة ملحة فى التقيؤ، وفقدان الشهية على الرغم من وصايا الطبيب بأهمية الطعام وخاصة البروتينات أحد أهم "الميكانيزمات" الدفاعية.. لم أعد أتعامل مع الكيماوى كعدو يستهدف الفتك ببقية أجهزة جسمى الحيوية، على الرغم مما حدث...

تساقط شعرى عن آخره وشحب وجهى وغامت الرؤية وسرحت درجات من الكآبة فى كيميا الدم والروح لكننى أبدا لم أستشعر بأدنى رغبة فى الاستسلام ..صورتى فى المرايا تذكرنى بكائنات فضائية رأيتها فى فيلم أمريكى فخبأت مرايا البيت بملاءات ومفارش ورحت أتعامل مع صورتى التى ما زالت تحملها الذاكرة.. امرأة جميلة ومبتهجة دائما لأنها ما زالت على قدر مسئوليتها أن تعيش كإنسانة وككاتبة ....

بعد أن تناولت قهوتى وطعام الافطار وتبعهما العلاج، انتابتنى رغبة عارمة فى البكاء، ولا أدرى لماذا وقد تصالبت منذ البداية. عرفت أمى بالمسألة على الرغم من إصرارى ألا تعرف. فجاءت بوجه باك وجسد تقلص فى نصفه ووقفت تخفى عنى شيئا.. ضحكت وأخبرتها أن المسألة بسيطة للغاية وأننى أتلقى العلاج، والحمد لله الذى قدر حقا ولطف، وأننى سأتحمل قدرى ..

هدأت من روعها ورحت أداعبها وأمازحها وأمتص ملح الغضب فى عيونها وروحها.. أزعم أن أمى "تربيتى".. منذ وعيت مبكرا على عناصر الظلم والقمع فى بيتنا من أبى وجدتى حتى "بذوره" أخوتى الذكور، كان لابد للمقاومة بالمعرفة.. فعرفت القراءة والكتابة وأنا أعاهد نفسى على تفادى ميراث أمى من الاستسلام والإذعان. حررت نفسى بالقراءة والكتابة ، لكنها لم تصلح كأدوات لتحرير أمى من قهر أبى، لكننى ظللت أحررها عن بعد ..كنت أتعامل معها كطفلة كبيرة أساندها وأنا أرى أبى مازال يمارس عليها سطوته حتى بعد أن تجاوزت السبعين..

فى التليفون كل صباح أدعها تحكى وتحكى لتتطهر من غيمات النفس والروح.. كانت فاتورة التليفون تأتينى بمبلغ مفجع. فأمى حكاءة من الطراز الأول وكان زوجى يجزم لى بأنها هى "المبدعة" وأنا أنقل عنها وكنت أوافقه..

كانت تسرد حكاياتها مع أبى وأنا أخفف عنها بأن مرضين لديها.. السكر والضغط ولن تكون نهاية العالم لو صار لديها ثالث،فعليها إذن أن تتعامل مع قهر أبى باعتباره المرض الثالث فتروضه كما روضت من قبل الضغط والسكر.

كانت أمى تحدق فى وجهى وتبتسم وكأنها تستحلب كلماتى.. ثم تنهض لتشد السجادة وتدخل فى الصلاة.. وحين تختم الصلاة تظل تدعو لى بأن "يفتح الله لى باب ما عليه بواب ويجعل فى لسانى سكرة وفى وجهى جوهرة ويرزقنى بـ سرة البخيل".. كنت أضحك وأنا أقول لها..

" ركزى والنبى على سرة البخيل "

لم يعد للبخيل "سرة" صار له حساب جارى فى البنك ودفتر شيكات أو حساب فى بنك اجنبى ببصمة الصوت أو هرب بأمواله خارج البلد..

أعلم أننى حين أغادر بيت أمى ستبدأ يومها مثل فراشة.. ترى الحياة فضاءً مفتوحا تغرد فيه كل الطيور، فتحب الحياة وتغدق على جاراتها البائسات من حلو حديثها وتتابع ماتشات الكورة ونشرات أخبار العالم وتبكى للذى يحدث فى العراق.. ثم تتوقف لتسألنى:

ـ أخبار سليم إيه..

ـ كويس..

ـ بتتكلموا

ـ لأ..

ـ أمال عرفتى منين انه كويس

ـ طالما ماعنديش أخبار سيئة يبقى كويس..

ـ تفتكرى عرف اللى حصل ؟

لا أرد فترثى لما يحدث فى فلسطين وهى تحرك حبات سبحتها..

ـ أخبار نادية الفلسطينية إيه..؟

ـ اتقبض عليها وهى داخلة حيفا تعزى فى أختها اللى ماتت فى السجون الاسرائيلية ...

ثم تواصل أمى مرثياتها لما يحدث فى العالم من كوارث ونكبات ثم تعرى رأسها ويفاجئنى شعرها الأبيض الذى تخفيه دائما تحت طرحتها البيضاء وتدعو على بوش وشارون.

حين أقامت معى بعد اجراء الجراحة كنت أحس أنها تؤذى مشاعرى بنظرات الشفقة التى تلاحقنى بها طول الوقت وأنا فى فراشى خائرة القوى .. أتعامل مع كل أشكال الوهن والألم على إنها اجراءات أو مراحل قصيرة وسوف تنقضى....

كنت أفر من نظراتها وأمسك بالـ "ريموت كونترول" وأحرك العالم بين يدى فأرى الدنيا على قنوات الديش تتقلب ما بين الدم والعنف والقتل والتفجيرات والزلازل والسيول والتعذيب فى السجون هنا وهناك ثم أركز لأرى سينما جميلة عربية وغربية ومناقشات حول كتب جديدة لم تصلنى وقد أفقدنى المرض القدرة على التركيز فأركز مع المتعة البصرية وبعض حلقات من الدراما وبرامج "التووك شو" على الرغم ما تحويه من أوهام وأكاذيب..حيث الغلبة دائما لصاحب الصوت الأعلى واللعب بأحلام الناس ومشاعرهم الدينية..

ضبطت أمى متلبسة أكثر من مرة بإفشاء سر آلامى لأخوتى وحالة اليقظة التى يبعثها الكيماوى فى نفسى وعقلى.. لكنها يقظة مشلولة .. منزوعة القدرة على أى فعل. كنت أغافلها وأفتح الكمبيوتر وكأننى أفتح عقلى لأطمئن على ما به رغم دوامات المرض والألم.. بعد وقت تكشف لى أننى أصبح قوية على نحو ما حين أكون وحيدة، فما أن نوهت أمى إلى أنها ستذهب لتأتى بعلاجها حتى باركت خطواتها.

وأنا وحدى يصبح بمقدورى استنفار ما بداخلى من قوى لترميم الأنقاض، فأنهض عن فراشى وأنظف المطبخ وأعد وجبة وأشرب كما هائلا من الماء.. قرأت أنه يخلص الجسم من الرواسب السامة للكيماوى والتى يسبب بقاؤها منتهى الإيذاء للكبد والكلى.. أو أجلس فى الشرفة لأتابع كما هائلا من العصافير ـ جيرانى الجدد ـ أو أجلس أمام الكمبيوتر وأنقح أحد النصوص أو أكتب عن كتاب أو تأملاتى لإحدى الظواهر وأرسل كل هذا للنشر لأننى حين أرى اسمى على الورق المطبوع فى جريدة أو مجلة أتأكد أننى مازلت على قيد الحياة وبداخلها وفى قلبها وبين ثناياها وطياتها، ربما لأننى اختزلت قضية وجودى كله فى الكتابة ...

اليوم واليوم فقط تحدونى الرغبة فى البكاء فى حضن أحد..

اتصلت بإحدى صديقاتى اللائى أثق فيهن وأخبرتها عن حاجتى للبكاء فضحكت وقالت..

ـ احنا لازم نجوزك راجل جميل وابقى عيطى براحتك..

تذكرت صديقى الجميل والذى اختفى لأسباب تخصه. كانت أمنية عمره أن يبكى على صدر امرأة يحبها..

سمعت انه تزوج وأنجب وطلق زوجته لسبب بسيط ـ هكذا أجزم لى بعدها ـ أنه أبدا لم يستطع أن يبكى فوق صدرها.

أخبرته أن الأيام القادمة حتما ستبكى الرجال لأن النساء بكين بما يكفى وأن أهم جماليات المرأة أن يكون لها صدر "فول أوبشن" يمكن الرجال من البكاء عليه...أحمد الله أنه تم استثنائى على نحو وآخر.. لذا فقد رحت أتجاهل كلمات مثل الصدر الأعظم ومستشفى الصدر ومرتضى الصدر ورأس سدر..

فى ذلك النهار لم أجد أحدا أبكى على صدره فابتسمت، فربما يكون البكاء قد اختفى أو انقرض أو فقد تاريخ صلاحيته ...
________________________________________
تحاليلي .. يابطة !

وبطة هى صديقتى الجميلة "حياة" وهى حياة جميلة حقا ، تسير مثل البطة وأدللها فأناديها بطة وبطبوط وبطاطة وبطاطس، وتصر أن تحمل عنى شيئا من أثقالى، مثل حقيبة نتائج التحاليل وصور الآشعات خلال دورتنا المضجرة بين ردهات وممرات وسلالم الألم فى مركز الأورام بمعهد ناصر..

ذهبت أنا وبطة فى ثيابنا الرجالية كما تبدو للآخرين وأنا حليقة الرأس كما أبدو من آثار الكيماوى وشعرها الملفوف كعكة كبيرة فوق رأسها وكل منا بوجه خال من أى "ماكياج" إلى عالم لا تطربه سوى صورة المرأة الخانعة بمزاجها الهادئ وأناقتها المفرطة، ووجهها الطافح بالألوان في مقابل مداهمة عيون الرجال ..أى رجل حتى لو كان تافه القيمة ، المهم أن يكون مكتوبا فى بطاقته "ذكر"..

لم آبه كثيرا بصورتى فى عيون الرجال ولا النساء. ..أبدو للجميع امرأة شرسة فى كامل تجلياتها للدفاع عن حياتها، كي تبعد عن نفسها، ولو جزئياً شبح الموت حتى وان كان هذا الشبح هو الذى سيريح الجميع.

أكد الطبيب البائس فى آخر متابعة على ضرورة إعادة التحاليل بعد شهر.. وطلب صورة كاملة للدم ووظائف الكبد والكلى ودلالات أورام..

وجوه النساء الامازونيات ذوات الثدى الواحد تراوغنى أم أننى أروغ من احساس أقرب إلى شكشكة الإبر بأننا جميعا نساء الثدى الواحد.. نساء بائسات..

يذكرنى الطبيب الاخصائى ببورتريه فان جوخ للدكتور جاشيه.. أصدق صورة للمزاج السوداوى فى العصر الحديث، فالثنايا بين مقلتيه مع عقد الحاجبين،مع المنخفض ما بين الأنف والفم أكثر وضوحا، واصفرار الجلد وميل إلى النظر إلى الأرض، هى علامات وأعراض ما زالت لها أهميتها فى تشخيص الاكتئاب..

فرحت أننى سأعيش شهرا فى أجازة من الذهاب إلى المستشفى والسير فى دروب بائسة بين شكشكة الإبر والنوم تحت الآشعات والدخول فى بطن الأجهزة الضخمة التى تشبه دودة "كافكا" الهائلة كما تشبه آلات التعذيب أيام النازية، أجهزة المسح الذرى والرنين المغناطيسى والأشعات المقطعية والموجات فوق الصوتية، امتلأ جسدى بإشعاع كأننى مؤهلة للصعود للقمر أو كوكب آخر أو للدخول لمفاعل نووى..

وبالفعل رغم الألم والمسكنات الفاشلة حاولت أن أعيش حياة عادية، فأنحى جانبا كل ما هو خارج الحلم والأمل ورحت أقرأ وأكتب كثيرا وكأننى "أكل فى آخر زادى" كما تقول أمى، أكتب كأننى سأموت غدا وتذكرت مقولة قرأتها لأحد عباقرة الفكر والأدب " اقرأ كأنك تعيش أبدا وأكتب كأنك تموت غدا.. الخرابة لا ينقصها مفكرين أو فلاسفة.

عشت حياة ملؤها درجات هائلة من البهجة، قرأت وكتبت وسمعت موسيقى ورايت سينما جميلة ليس لها علاقة بسينما هذه الأيام التى ينفق عليها الجزارون وتجار الأحذية وقطع الغيار وتطرح شخصيات مسطولة ومنومة ومبتذلة وعارية. والكل يرقص بدأ من الراقصة والمطرب والمتفرجين حتى المارة فى الشارع. فتبدو مصر وكأنها راقصة تافهة ومسطحة ومبتذلة وعاهرة. سرطان آخر يستشرى فى الفضائيات العربية وكأن مصر مستهدفة وكذلك المصريين. بهجة أخرى أحرص عليها رؤية أصدقائى وصديقاتى.

وبعد انقضاء الشهر ذهبت مثل تلميذ مكره على الذهاب إلى مدرسة يمقت كل ما فيها لإعادة التحاليل..تمرين مشهور كتمارين الهندسة فى إعدادى والثانوية العامة.

بعد مهاترات على نفس أروقة وسلالم الألم وكم العتمة التى تتراكم مثل طبقات جيولوجية فى الطرقات المقبضة أتيت بنتائج التحاليل..

أخذتها للأخصائى الذى يذكرنى بدكتور "جاشيه" ، وطرت وخلفى بطة تترجرج .. كنت أرغب فى أن يطمئنى أحد.

كان خارجا لتوه من غرفته فى العيادة الخارجية وحين رآنى أعاد النظارة الطبية على عينيه ونظر إلى الأوراق.... دائما ما أراه يضفي على نفسه سمت المفكرين والحكماء ..

ـ دلالات الاورام عالية وانزيمات الكبد عالية والسكر.....و... و

تذكرت أيام كنا فى الدراسة ونغضب من الصفر ونطالب حتى بنمرة على الخط..

قال الدكتور ـ بس غريبة ..المناعة عالية..

التقطت من فمه الكلمات ومن يده نتائج التحاليل وطرت فرحة أن شيئا فى جسمى لا يزال سليما, وخاصة جهاز المناعة , جهاز الأمن القومى للجسم وبطة إلى جوارى غير فاهمة.. قلت لها..

ـ ياللا ناخد فلة ونطير..

آخذنا سيارتى البيضاء الصغيرة "فلة بنت خوخة اللى جت بعد دوخة" وطرنا وأمام كشك لبيع الزهور توقفنا ثم طرنا مرة ثانية وعلى "تابلوه" "فلة" "باقة ورد أحمر وأصفر وبنفسج ونثار من زهور بيضاء صغيرة ورفعت صوت المسجل بأغنية محمد منير " نعناع الجنينة" وبطة تردد خلفه "نعمات البحيرى" على نفس إيقاع لحن الأغنية

أحب سماع الشطرة التى تخصنى...

"جالولى ايش الاسم... جالوا البنات نعمات...

أم صابعين رطب والباجى بلح أمهات...

يوم ندهت علينا جلت نعمين تلاتى وأربع خمس نعمات"....

كانت ضحكاتنا تملأ الشارع ونساء محجبات ومنقبات كثيرات فى السيارات السائرة الى جوارنا يبدين فى النوافذ وكأنهن مقطوعات الألسن والأنفاس إلى جوار أزواجهن. كن ينظرن بتأفف وربما بغيظ لبهجتنا التى تصر على اختراق العادم والضجيج والزحام والغبار والحزن والكآبة..ولا أحد يدرى أننا نطير داخل قفص..أو كمثل غريق مازال يتنفس تحت الماء..

اقتربت فتاة شابة بسيارتها القديمة وسألتنى ..

تبيعيها؟

تقصد "فلة"..

ما الذى يحدث الجميع يرغبون فى انتزاع فلة منى .. حتى فى الحلم..هناك حلم يتكرر كثيرا.. أرى نفسى فى مكان ما وذاهبة لآخذ سيارتى فلا أجدها وأظل أبحث فى ذاكرتى عن المكان الذى تركتها فيه ثم أهرول يمينا ويسارا بحثا وقلقا وتوترا على سيارتى ولا من جدوى .. لا أرغب فى افساد لحظات البهجة القليلة بين ركام السأم....

نزلت وبطة إلى كافيتريا هادئة على النيل.. فنجان قهوة يكمل نشوة ابتهاجنا بارتفاع نسبة المناعة .. تدخلنى القهوة فى دوامات لذيذة رغم مرارتها..أتذكر لحظة اكتشاف راعى الغنم الأثيوبى "كالدى" لحبة القهوة حين لاحظ ابتهاج الماعز والأغنام بعد أكلها لحبيبات داكنة اللون تسقط من الشجر فقام بنفسه بتجربتها فبدأ مثل قطيعه يشعر بالابتهاج والسعادة.

ضحكت بطة ضحكتها التى أحبها وهى تخبرنى أننى مثل التلميذ الذى رسب فى الامتحان وحين عاد قبله أهل الحى

ـ لأ وإيه .. وزع بيبسى على الناس وعاش الحالة ...

وضعت فنجان القهوة ونظرت للنهر الممتد وأنا أتذكر أن أغلب العباقرة فى التاريخ الانسانى، سياسيين وفلاسفة وشعراء وعلماء وفنانين كانوا يرسبون فى امتحانات مدارسهم وأن الذين نجحوا أغلبهم من الأغبياء وهم الذين يحكمون العالم الآن وهم الذين يتصدرون واجهات المجلات والجرائد والفضائيات ليبثوا ثراء التفاهة ورذاذ الغباء ..

أخذنا فلة وطرنا لنهنأ بغبائنا وغباء الآخرين..
________________________________________
أوراق قليلة عند المنحنى

(أخذني عائد ـ الزوج ـ من يدي وشدني خلفه وأوقفني أمام صفيحة القمامة وراح يخرج تلك الكتلة المؤلفة من أوراق وفوارغ وتفل وقهوة وورق (كلينكس) وبقايا تنظيف خضراوات وفاكهة كانت ورقة الجريدة التي مسحت بها زجاج نافذة الصالة مبلولة ومطوية وداخلة ضمن نسيج الكتلة وماذا في ذلك إن أمسح زجاج البيت بورق الجرائد ..كانت نظراته تنتفض بشرر لا تطفئه إجاباتي اللامبالية كما تبدو له وكنت لا أزال أحتفظ ببعض من وداعتي في استقبال هوس الآخرين وولعهم بتفاصيل غريبة.. أخبرني بصوت مبحوح أن صورة السيد الرئيس تتصدر صفحة الجريدة .

ـ لم أقصد شيئا مما تخشاه..

مسح الزجاج بالجرائد طريقة أكثر شيوعا بين الناس في بلدي، وبلاد أخرى. بدا عائد وكأن حشدا من كوابيس اليقظة يداهمه.. صفوف من الخوف والرعب والفزع، فراح يفرد لي الصفحة لأرى صورة السيد الرئيس المبلولة والمخدوشة مثل وجه مكرمش ومشوه.. وفي لحظة وكأنه تذكر شيئا، جرى كموسوس إلى باب البيت، يفتحه وينظر يمينا ويسارا، ثم إلى النافذة ليفتح ضلفتيها ويتبصص في كل اتجاه ثم يرفع سماعة التلفون يحدق فيها ويضعها، حدث هذا أكثر من مرة وكأنه يرغب في التأكد من شيء ما. بدا الخوف نابحا فوق ملامح وجه عائد وحركته المشدودة إلى كل أرجاء البيت لم أكن بحاجة إلى أن أستعطفه إن يهدأ ويرتد عن مخاوفه وكوابيسه هذه مكتفيا بإلقاء الورقة في سلة قمامتنا أو سلة قمامة الشارع وليختتم هذا العرض الكابوسي من مهزلة قاتمة. وفي لحظة رأيته يسخر من فِطنتي مؤكدا أن هناك الكثيرين ممن يسيرون في الشوارع، يلتقطون للناس أسبابا لسحقهم كنت أرى رعبة يكاد يطفر من عينيه وينزل على الأرض ليصير كائنات وحشية تضحك كثيرا..).
________________________________________
الدجاجة المرحة

جاءني صوتها عبر الهاتف‏..‏ياااااه‏....‏ بعد عشرين عاما‏...‏ نعم بعد عشرين عاما من الغياب في السفر والبعد والتنائي‏.‏ ورغم الغياب ظلت حاضرة في روحي مع زمنها الجميل‏.‏

سرني أن بادرت أروى بالرغبة في اللقاء وحددت يومه وساعته، ناولت السماعة لزوجها ليحدثني ولم أكن عرفته قبلا‏..‏ علمت من أختها بأنها تزوجته سريعا وسافرت‏..‏ كلمات مثل مانشتات دون أدنى تفاصيل‏,‏ وكنت وأروى نعشق سرد التفاصيل الصغيرة عن ابن الجيران واختناقات الروح والهوى في مساءات الصيف البعيدة‏,‏ ونحن نرى النوافذ مرصوصة فيها القلل الفخارية‏,‏ تلقي بظلالها على البيوت المقابلة لترسم رؤوسا صامتة لرجال ونساء‏,‏ فنتجرع ضحكات صغيرة‏..‏

كانت أروى رفيقة الطفولة والصبا والحلم والتجارب المحبطة في الحب والغرام وبدايات الدهشة مع حقائق الحياة في البيت والشارع والوطن‏,‏ لتبدأ رحلتنا مع الوعي والإدراك والسياسة ومظاهرات الطلبة والقنابل المسيلة للدموع والفرار عبر البوابة الخلفية للجامعة‏,‏ لتجاوز جنود الامن المركزي الذين نشفق عليهم ويضربوننا‏.‏

سمعتها تقول أكثر من مرة وهي تبتسم إنهم لايقصدوننا تحديدا‏,‏ وكنا نضحك من براءة الزمن الذي لانعرف إلى أين سيأخذنا‏,‏ وتخرجنا في الجامعة وتزوجنا وسافرت كل واحدة إلى بلد وحياة وغربة‏,‏ والذي عاد أولا راح يبحث عن الآخر دون جدوى‏,‏ وربما آثر أن يركن إلى ضفاف الصمت والنسيان‏.‏

كانت أروى جميلة للغاية وكنت دونها في كل شيء؛ في الجمال والفتنة والمرح والذكاء واشياء أخرى‏,‏ وكنت أحاول جاهدة تجاوز كل الفروق من أجل ود جميل وكذلك كانت تحاول‏.‏

لم يكن صوت أروى جميلا على الإطلاق لكنها تحب الغناء وتمارسه نكاية بنا‏.‏ هكذا قالت وأعلنت على الملأ في الفصل أمام كل البنات كانت تصر علي أداء اغاني عبدالحليم ونجاة وأم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش بنفس دفء ورومانسية الأيام‏.‏ كنت أمضي وقتا كبيرا في بيت أروى المفعم بالمرح فأمها عاشقة للضحك والنكتة وأبوها حنون بشكل مبالغ فيه يتابع أبناءه وبناته بمنتهى الود والمرح‏.

كان يمنح كلا منهم حصته في الحنان اليومي مثلما يمنحهم مصروفهم‏,‏ وكنت كثيرا ما أقف عاجزة عن تصور ما أراه يوما في بيتنا كانت أروى نفسها تقول لي كلما طالبتها بالمذاكرة في شقتنا بيتكم نكد، وكنت أدرك ذلك جيدا‏,‏ فقد كانت جدتي لأبي لاتجعل فرصة تمر دون أن تبعث فيها من روحها غما ونكدا‏,‏ وللحق كانت امرأة متفردة في ذلك‏,‏ ودائما الأشياء تتسابق أمام عينيها لتمنحها فرصة عظيمة لتحقيق مأربها‏.‏ ربما كان هذا سر عشقي لبيت أروى التي صرت مع الوقت أدعوها بالدجاجة المرحة لقصرها وبدانتها‏,‏ وكثير من المرح الذي تبتعثه كلما طلت أكثر النكات التي مازالت عالقة في ذاكرتي هي من صنع بيتها‏,‏ وهي التي حين تقابلني في الصباح لابد وحتما أن تلقي علي بآخر ما أنتجه بيتهم من النكت‏..‏ ومع الوقت صرت أتخفى في النوم أو القراءة حتى لايسألني أحد عن أسباب هجري لبيتنا وحبي لبيت أروى‏.

الآن قررت أن أفتح لأروى قلبي وأعيد لها مالم تعرفه طيلة غيابها‏..‏ سأحكي لها ما حدث لي بالضبط‏,‏ وسأخبرها عن الالوان التي مازالت ـ برغم أنف المحن ـ ساطعة في نظرتي للعالم‏.‏ ربما صارت إحدى وسائلي في الدفاع والمقاومة ظللت طيلة عشرين عاما أقاوم الألم والمرارة بالبهجة كي لا أموت أو أجن‏.‏ لا أرى تحديدا ربما لذلك الإيمان العظيم بسعادة آتية‏,‏ وربما لتلك الوراثة البيولوجية كانت جدتي لأمي تكره الحزن والكآبة وتسعى للفرح سعيها للحياة هذا غير الأغاني والحكايات التي كانت تحفظها وتحكيها لأطفال العائلة في كل ليلة تفرش تحت رأسي الصغير وسائد أحلام ‏.‏

سأخبر أروى بحبيبنا المشترك مراد والذي لم أفتح له أذني وقلبي إلا بعد زواجها جاء متململا يبثني أوجاعه بزواجها وسفرها ظل يفرط في الحديث معي لفترات طويلة‏,‏ ويرافقني في كل خطواتي‏,‏ بعدها جاء يبثني غرامه ورغبته في الزواج مني‏.‏ الغريب أنه مع الوقت تسللت إلى نفسي المشاعر نفسها‏.‏

يومها طفا في الافق وجه أروى وأرجأت مراد قليلا لأنه فاجأني وأنني للآن لا ادرى إن كان كل منا قد أحب الاخر لفقده لأروى‏,‏ أم أن العالم خلا علينا من بعد سفرها يومها نسى معي مفاتيح بيته وسيارته ودرج مكتبه‏,‏ ثم توالت الأحداث بطيئة ومملة حين جاءني بعدها يسترد المفاتيح ويحكي لي عن رئيسه في العمل الذي يفوت عليه فرصة التثبيت كلما حانت‏.‏

وذات يوم جاءني بصورة لفتاة وعقد عمل في الخليج‏,‏ كان قد التقى بأسرة مصرية صار لها في الخليج اكثر من عشرين سنة ورأى ابنتهم فصار الكلام والوئام‏,‏ فقرر أن يعالج أوجاعه سريعا بما فعلته أروى‏...‏ الزواج والسفر‏,‏ ويوم اوصلته للمطار عدت وقد جرحت يدي‏,‏ لاأدري كيف في الموعد المحدد جلست انتظر أروى وبهجتها ومرحها‏,‏ فكرت أنني وبعد عشرين عاما سأراها وأجلس إليها وأبدد معها كآباتي‏,‏ سوف نستعيد حكاياتنا بالتفاصيل الدقيقة‏,‏ سوف نضحك من قلوبنا ونمرح‏,‏ سوف نريق النكات على قارعة الطريق وفي مفترق الطرق‏,‏ ربما ترغب مثلي الكلام عما فعلته ـ جملة وتفصيلا ـ العشرين عاما الماضية‏.‏

في الموعد المحدد دق جرس الباب وحين فتحته حدث شيء غريب‏..‏ رأيت من تدخل عليَّ مثل امرأة عجوز‏,‏ جفت روحها ونشفت نضارتها وبح صوتها وانطفأ بريق عينيها الذي كنت أميزها به من بين كل بنات الحي والمدرسة والجامعة لم أر إلا عجوزا هشة بها مسحة من بقايا شكل وصوت ونظرات عرفتها من قبل‏.‏

أخبرتني أن زوجها يركن السيارة في الشارع وسوف يصعد‏..‏ لم أكن قد رأيته من قبل‏...‏ حين دق جرس الباب ودون أن تتحرك قالت لي إنه هو‏..‏ وشعرت بوطأة اللحظة‏,‏ ولا أدري لماذا داهمني شعور حاد وكثيف بأنني أمام قزم ضئيل الحجم بعينين ضيقتين غير عميقتين وفم كبير وأنف ذي فتحتين كبيرتين بوسعهما شفط هواء البيت والحياة‏.‏

بدت أروى تتفحص المكان مستهجنة تفاصيله الصغيرة‏...‏ نباتات ظل وكتب وتماثيل فخارية صغيرة وقطط تتوارى وتظهر بدا أيضا أنها لم تكن تشتاق لي مثل شوقي لها‏,‏ ولم تتحدث عن شئ خارج إطار تعب السفر والغربة ودرجة الحرارة التي تتعالي هناك حتى تشعر أن لها قواما تمسكه بيدها‏..‏ حكت أيضا عن الشقة الفارهة التي أثثاها بطريقة حديثة فاخرة‏.‏

حكت أروى أنها ودت لو يكون لها ابنة وتسميها باسمي‏,‏ لكنه لم يحدث صمتت وجاءت نسمة سرعان مامرت وشعرت بقدر هائل من البرودة، وصديقتي تواصل نظرات استنكار إلى لوحاتي على الجدران وإلى كتبي المتراصة بعناية في مكتبات خشبية صغيرة في أنحاء الشقة حتى النباتات المتراصة بعناية إلى جوار الكتب لم تلق من عينيها ترحيبا ربما لا تتذكر أروى أنني كنت أهوى الرسم‏,‏ والقراءة والزرع‏.‏

استغربت نظراتها وكلامها واستهجانها لكثرة اللوحات والكتب وأن الزرع يجتذب النمل وحشرات أخرى والكتب تجتذب الفئران‏.‏

كنت أرى وطأة نظراتها وهي تختزل عمري معها إلى تلك النظرات الباردة والحامية في آن واحد، تحرك زوجها نحو الشرفة ممسكا فنجان الشاي وهو يتأمل تفاصيل المشهد الذي تطل عليه شرفتي اقتربت من أروى ورحت أتاملها‏..‏ نفس العينين ونفس لون البشرة ونفس الفم ونفس الصوت أدركت فيما بعد وعلى نحو ما أنه حتى تبدلات الجسد نحولا وسِمنة على جسدينا لم تشفع للذي حدث أن يحدث‏.‏

سألتني أروى عن مراد وهل يرسل خطابات وسألتها بنفس البرودة وحدة الصوت‏:‏ وما الجدوى‏...‏ تذكرت أن جرح يدي الذي حدث يوم أوصلته للمطار التأم تماما‏.‏ حين فرغ زوجها من الشاي طالبني في ود مفتعل بفنجان من القهوة وكذلك فعلت وهي تتحدث عن السكر والضغط‏.‏

في المطبخ كنت أنظر إلي طريقة ترتيبي لأواني المطبخ بعشق خاص وأدرت مؤشر راديو المطبخ لينساب صوت أغانٍ شبابية لم أكرهها كالآخرين كنت أستعجل الوقت أن يمضي والحر أن يزيد من طأته وأروى تنظر إلى أثاث مطبخي بكثير من التأفف والاستعلاء قالت‏:‏ بيتك بسيط‏.‏

فرددت‏:‏ لقد صنعته قشة قشة وضمتني جدرانه جيدا بعد انكسارات كثيرة وعزوفي حتى عن الارتباط بآخر‏..‏ شربت أروى قهوتها وكذلك زوجها وخرجت خلفها أوصلهما بكلمات قليلة مقتضبة على شاكلة‏...‏ شرفتونا‏...‏ آنستونا‏...‏ لاتقطعوا الجوابات‏..‏ أتذكر أنني وأروى لم نر بعضنا بعد ذلك اليوم‏,‏ حدثتني مرة تليفونيا لتخبرني بأنها وزوجها تشاركا وأنشآ "مول" كبيرا وأن عليَّ عمل دعاية له بين جاراتي أتذكر أن هذه آخر مرة أسمع صوتها ولم يكن هناك مجال يرغب في التفتح؛ مثل زهور أغلقت أوراقها إلى الأبد؛ إلى غير رجعة‏...
________________________________________
الضوء الآخر

هكذا يوحي ليل المدينة, وعشرات العمارات واقفة مثل أشباح أسمنتية, تترقب لحظة الانقضاض, حتى وهي مغمضة العيون. والعيون مغمضة بشيش مترب. كل ذلك وغيره يجعلني أفرط في تفادي مواجهة حقيقة لاذعة المرارة, أنني أسكن وحدي في الطرف الأقصى من الدنيا, فعندما تحتقن السماء بسحب داكنة, وتغرق المدينة في صمت مؤسٍ, أشعر وكأن شيئا يسلبني الحياة, وإحساس جميل بالبهجة, ذلك الذي صرت أحسه منذ صار لي بيت وجدران في الحياة. صرت أسمع أشباحا ليلية, تجادلني بصمت وحشي, وتحاصرني بأسنة الأسئلة. (أي بيت, وأي جدران, وأي حياة في مدينة الدمار والصمت هذه?). لكنني مع الأيام تمرست على تجاهل رائحة بقايا البناء والظلمة والصمت الوحشي وظمأ المدينة, فرحت أغلق النوافذ والشرفات, لأرى تخوم الدنيا, تبدأ من جدران شقتي, التي فرشتها - بعد الانكسارات - بحصير وسجاجيد القصاصات الملونة وجموح الرغبة في الحياة وما تبقى من أحلام. في النهار بدا الفرار طبيعيا إلى العمل.

أتجاوز فيالق الكلاب وفصائل الصقور وكتائب الذئاب وتشكيلات الغربان والحدآن وهي تتربص بالحمام الذي أقام غيّته في الطوابق العليا من العمارات. وفي طريق العودة تبدو المدينة مثل عشة دجاج, تغلق أبوابها, ولا من خروج إلا في نهار اليوم التالي. حتى إذا جاء الليل راح يحرك في الفم طعما مرا ورائحة العزلة والبعد والتنائي, مع خرفشة ورقة تتطاير في الشارع, تحملها الريح من هنا إلى هناك. ذات مساء وأنا أهم كعادتي بغلق النوافذ قبل أن يزحف الليل, ملتهما ما تبقى من نهار في الروح والذاكرة, رأيت بكلتا عيني المتشوقتين للألفة والبشر نافذة مضاءة في الطرف الأقصى من المدينة. وفي سرعة فتحت نافذتي لآخرها وأسرعت أضيء المصباح, فقد بدا في البعد النائي بشر, شخص, كائن ما يقف في النافذة. لم يكن من السهل تحديد نوعه, ولم يكن هذا مهما على الإطلاق. بعد قليل أطفأ مصباحه وأضاءه, ففعلت مثله بلهفة وشوق. ثم أطفأ مصباحه مرة ثانية وأضاءه, وللمرة الثانية أفعل. بعد قليل بدا أن ذلك لم يكن إلا وسيلة للتعارف. وفي برودة الليل والنافذة مازالت مفتوحة لآخرها. لفحني الهواء, ولكنني شعرت بأن الدم الذي يتدفق في عروقي, دافئ يخلو تماما من الشوائب.

في تلك الليلة نمت نوماً هادئاً وأنا مطمئنة أن في المدينة بشراً. وفي النهار تجولت في خلاء المدينة, غير آبهة بفيالق الكلاب, وفصائل الصقور وكتائب الذئاب وتشكيلات الغربان والحدآن, تلك التي استباحت خلاء المدينة من البشر, حيث النوافذ مازالت مغلقة على الغبار والصمت, وجميع العمارات متشابهة كالعادة. في ذلك اليوم لم أذهب إلى العمل, احتفالا بذكرى أول يوم أرى فيه بشرا في المدينة.

بعدها رحت أحفظ عن ظهر قلب مفردات لغة جديدة, فغلق النافذة يعني الخروج من البيت, وترك ضلفة شيش واحدة يعني الرغبة في تناول قسط من الراحة, وإضاءة المصباح ثم إطفاؤه, يعني الرغبة في تبادل الحوار.. أي حوار. مع الوقت رحت أعيش تفاصيل المدينة دون كآبة, فقد صار هناك في الطرف الآخر ضوء آخر. وذات ليلة وأنا أأتنس بالضوء الآخر تمنيت لو أخرج إلى الشارع غير آبهة بفيالق الكلاب وفصائل الذئاب, لأرى من بعيد الضوءين مثل عينين لامعتين لامرأة زنجية جميلة, غير أن السير ليلا في المدينة وسط مزيج بالغ القسوة من الريح والبرد, ونباح الكلاب وعواء الذئاب كان يكثف معنى مخيفاً للوحدة. في الصباح لم تعد المدينة خالية على الإطلاق.

وحين ذهبت إلى العمل بعد تجاوز بضعة كيلومترات, سيرا على القدمين, حكيت لزميلاتي عن سحر المدينة والضوء الآخر, كن يسخرن مني, ورحن يلقبنني بامرأة غريبة, تسكن مدينة للأشباح والخرافة, وكنت أسخر من وجوههن الشاحبة, وأجسادهن المترهلة بالكسل والبلادة. في طريق العودة حيث مساحات من الصحراء مازالت, ومعسكرات الجيش ونباتات الصبار الوحشي, وحيث لا رفقة على الجانب الآخر, عدا السيارات المتعجلة عبر الطريق الإسفلتي السريع. وحين أصل البيت تبدو النافذة أجمل رفيق تمتد إليه يدي. في الليل أترك النوافذ مفتوحة, وأتحرك في الشقة دون خوف من ذلك الشعور الغريب بأن ضوء نافذتي هو الوحيد وسط الظلمة الحالكة للمدينة مثل هدف واضح, فأمضي إلى عملي المنزلي في حماس ونشاط. وفي سرعة غريبة أفرغ من تنظيف البيت وطبخ الطعام وغسل الثياب وتجفيفها وتطبيقها ورصها مثل الأحلام, وري نباتات الظل والشمس التي أأتنس بها, مثل كائنات حية تطلب الهواء والري, وقدراً من الضوء والكلام.

وبعد التعب أكافئ نفسي بالنظر مرة أو مرتين وربما أكثر إلى الضوء الآخر, فتبدو النافذة المضاءة هناك مثل طاقة نور ودفء وبهجة, ومع الأيام صار بيننا ميثاق غير مكتوب, فإذا ما بدا الضوء الآخر وأطفئ مرة ومرات, فهذا يعني الرغبة في مزيد من التعارف, وإذا ما أسدلت الستائر, غير حاجبة للضوء, فهذا يعني أن الطرف الآخر مشغول بشيء ما. وإذا ما....

صارت بيننا لغة ومساحة من الفرح. بعدها صرنا نستخدم الألوان وحركة السحب وضوء القمر وأشعة الشمس والمرايا العاكسة وأزيز الطائرات التي تستخدم المدينة معبراً دائماً لها, ومن الأرض صرنا نستخدم نباح الكلاب وعواء الذئاب وكلاكسات السيارات العابرة, لأن العصافير لم تكن قد عرفت المدينة بعد.
________________________________________
ثوب أبيض بلون الحزن

أى مسافات هائلة تلك التى تفصل بيننا تلك التى نحاول أن نعبرها بحلم غير منطقي والبعد مثل الموت له مبرراته غير المنطقية مثلما كان القرب.. ومثلما صار الحب.. ثم طفر الفزع والرعب فى البعد والتنائي ربما لقتل الوقت صدقا أو افتراءً ذلك الذى لم نستطع أن نفض شفرته العدائية حين رأيته للمرة الثانية فاق كلامه كل توقع وقد صار رقيقا وناعما ومدهشا وحنونا لأدرك أن العمر سيتسع لأفراح أخرى قادمة وإذا به يرسل بمفاجآته القاسية حين تركنى فى منتصف الطريق.. ولا هو مسافر ولا هو عائد لتطق فى رأسى شرارات الحسرة وقد ظل لسنوات عشر بجوار بئر نفطي هو يغرف من البئر... والأيام تتداعى يأساً ومرسي ثم عاد بمال وكرش وخجل.. ووجه صارم وثياب فضفاضة.. وأحلام ذهب عنها تاريخ الصلاحية ضاع نصف العمر، وفى المقابل ظل نصف الوقت يتحدث عن حدائق الياسمين ليتكفل الحزن بالنصف الباقى...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من كلمات نعمات البحيرى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حقق أحلامك مع منتديات شمس جروب :: عام :: المنتدى الأدبي-
انتقل الى: